الحكيم الترمذي

145

غور الأمور

الإنسان فيدوسه تحت ميسمه « 1 » في التراب بالأرض - فمن ذكر لا يجد على قلبه إلا ذكر الألوهية ، ثم يغفل عنه ، ولا يجد ذكره عند كل أمر أو حكم حال الأشياء بينه وبين ذلك ، ولم يكن لذلك النور من السلطان ما يحرف « 2 » عن قلبه جميع الأشياء فتجده ذاكرا غافلا مطيعا عاصيا ومقبلا لاهيا ، فهذا أحد الطرفين . والطرف الآخر : أن ينقلب القلب من جثوم النفس عليه ويخرج من أثارها فيجد فسحة وروحا ، ويتمكن ، ويتمدد ، ويتنحنح « 3 » فيما ورد عليه من العطاء منة من اللّه على عباده ، ودولة من السعادة ظفر بها ، ورحمة منه أدركته . فلم تزل المنن تتابع عليه بالأنوار هداية من اللّه وعونا على سيرة إليه ووفودا به إلى بابه ، حتى جاوز الأشياء إلى خالق الأشياء ، وجاوز الملك إلى مبدئ الملك ، فوصل إلى ذكر هويته . فغرق فيه قلبه مع الأشياء كلها . فالموحدون أخذوا بالطرق الذي ذكرناه بدءا ، والعارفون أخذوا بهذا الطرف وهو ذكر واحد ، ومعرفة واحدة ، ثم ضم كل ذي روح بدت على الأرض في الكفالة فدخل الدواب والبعوضة والحميان والقردان والخنفساء والبغلان والقردة والخنازير . فكلهم داخلون في كفالته ، ثم قال في كتاب مبين أي أنه أبرأ القلب ، فأبان في الكتاب أي أظهر من الغيب في الكتاب ، والكتب في لغة العرب النظم ، والنظام

--> ( 1 ) الميسم : المشي في الأرض . ( 2 ) حرف : مال . قال الأزهري : وإذا مال الإنسان عن شئ يقال تحرف ، وانحرف ، واحرورف . ( 3 ) النحنحة : صوت يردده الرجل في جوفه . قال الأزهري عن الليث ، النحنحة التنحنح وهو أسهل من السعال ، وهي علة البخيل ، الذي إذا سئل اعتل كراهة للعطاء . فردد نفسه لذلك .